الشنقيطي
218
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
يفهم منه أن التكليف في حدود الاستطاعة ، ويبينه قوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] . وقوله تعالى : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [ البقرة : 286 ] . وفي الحديث : قال اللّه قد فعلت . وهذا في الأوامر دون النواهي ، لأن النواهي تروك . كما جاء في السنة « ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه » « 1 » ، وهذا من خصائص هذه الأمة . كما تقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه ، عند أواخر سورة البقرة ، وتحقيق ذلك في رخص الصلاة والصيام ونحوهما . قوله تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ 16 ] . قالوا : الشح ، أخص من البخل ، وقيل البخل : أن تضن بمالك ، والشح أن تضن بمال غيرك ، والواقع أن الشح منتهى البخل . وإن ذكره هنا بعد قضايا الأزواج والأولاد وفتنتهم وعداوتهم ، ثم الأمر بالسمع والطاعة والإنفاق في قوله : وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ يشعر بأن أكثر قضايا الزوجية منشؤها من جانب المال حرصا عليه أو بخلا به ، حرصا عليه بالسعي إليه بسببهم ، فقد يفتن في ذلك ، وشحا به بعد تحصيله فقد يعادونه فيه . والعلاج الناجع في ذلك كله الإنفاق وتوقي الشح ، والشح من جبلة النفس وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [ النساء : 128 ] وفي إضافة الشح إلى النفس مع إضافة الهداية فيما تقدم إلى القلب سر لطيف ، وهو أن الشح جبلة البشرية . والهداية منحة إلهية ، والأولى قوة حيوانية ، والثانية قوة روحية . فعلى المسلم أن يغالب بالقوة الروحية ما جبل عليه من قوة بشرية لينال الفلاح والفوز ، كما أشار تعالى بقوله : الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 46 ] . ثم قال : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا [ الكهف : 46 ] .
--> ( 1 ) سبق تخريجه .